الشيخ الأميني
109
الغدير
ثم كان هذا عذر الرجل لكان عليه أن يتم بمكة لا بمنى وعرفة وقد أتم بهما . 3 - إنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمنى واتخاذها دار الخلافة فلهذا أتم ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة . ا ه . كأن هذا المتأول استشف عالم الغيب من وراء ستر رقيق ولا يعلم الغيب إلا الله ، إن مثل هذه العزيمة وفسخها مما لا يعلم إلا من قبل صاحبها ، أو من يخبره بها هو ، وقد علمت إن الخليفة لما ضويق بالنقد لم يعد ذلك من معاذيره ، وإلا لكانت له فيه منتدح ، وكان خيرا له من تحشيد التافهات ، لكن كشف ذلك لصاحب المزعمة بعد لأي من عمر الدهر فحيا الله الكشف والشهود . وكان من المستصعب جدا والبعيد غايته تغيير العاصمة الإسلامية والتعريجة على التعرب بعد الهجرة من دون استشارة أخذ من أكابر الصحابة ، وإلغاء مقدمات تستوعب برهة طويلة من الزمن كأبسط أمر ينعقد بمحض النية ويفسخ بمثلها . وقال ابن حجر في الفتح 2 : 457 ، والشوكاني في نيل الأوطار 3 : 260 : روى عبد الرزاق عن عمر عن الزهري عن عثمان : إنما أتم الصلاة لأنه نوى الإقامة بعد الحج وأجيب بأنه مرسل ، وفيه أيضا نظر لأن الإقامة بمكة على المهاجرين حرام وقد صح عن عثمان إنه كان لا يودع البيت إلا على ظهر راحلته ، ويسرع الخروج خشية أن يرجع في هجرته ، وثبت أنه قال له المغيرة لما حاصروه : اركب رواحلك إلى مكة فقال : لن أفارق دار هجرتي . ا ه . ولابن القيم في زاد المعاد 2 : 25 وجه آخر في دحض هذه الشبهة . فراجع . 4 - إنه كان إماما للناس والإمام حيث نزل فهو عمله ومحل ولايته ، فكأنه وطنه قال الأميني : إن ملاك حكم الشريعة هو المقرر من قبل الدين لا الاعتبارات المنحوتة ، والإمام والسوقة شرع سواء في شمول الأحكام ، بل هو أولى بالاتباع لنواميس الدين حتى يكون قدوة للناس وتكون به أسوتهم ، وهو وإن سرت ولايته وعمله مع مسير نفوذه في البلاد أو في العالم كله إلا أن التكليف الشرعي غير منوط بهذا السير ، بل هو مرتبط بتحقق الموازين الشرعية ، فإن أقام في محل جاءه حكم الإقامة ، وإن لم ينو الإقامة فهو على حكم السفر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إمام الخلائق